أشعر بحدس قوي: الشرق الأوسط هذه المرة سيشهد تغييراً حقيقياً.



ليس لأن خمس دول أصدرت بياناً مشتركاً، وليس لأن إسرائيل علقت العمليات البرية، بل الإشارة الحقيقية هي — أوروبا خائفة حقاً.

ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وكندا، رغم خلافاتهم العميقة، توحدوا على نحو نادر في موقفهم. ما يخافونه ليس الخسائر في لبنان، وليس عدد الصواريخ التي أطلقتها حزب الله، بل القلق من أن تتجاوز الحرب حدودها وتصل إلى عتبة دارهم.

هذا الخوف ليس بلا أساس، بل محفور في الذاكرة الجماعية الأوروبية في السنوات الأخيرة.

موجة اللاجئين الناجمة عن الحرب الأهلية السورية عام 2015 لا تزال جرحاً لم يندمل في أوروبا. ملايين اللاجئين الذين فاضوا إلى الداخل تسببوا بشكل مباشر في تمزق المجتمع وتطرف سياسي في دول عديدة، والآثار الجانبية لنقص الموارد استمرت لسنوات.

الآن الصراع في الشرق الأوسط أدى إلى نزوح أكثر من 4.1 مليون شخص من إيران ولبنان وأفغانستان وباكستان، فيما لم تصل مساعدات الأمم المتحدة إلا بنسبة 15%. ملايين اللاجئين يعانون من نقص الغذاء والماء والدواء، وفي ظل أزمات البقاء، الفرار إلى أوروبا يكاد يكون خياراً حتمياً.

القلق الذي أعربت عنه رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين يمس هذه النقطة بالذات. إذا استمر الصراع في التصعيد، حتى لو نزح 10% فقط من سكان إيران، فإن العدد سيقترب من أكبر موجة لاجئين في العصر الحديث، وأوروبا لا تستطيع تحمل صدمة أخرى مثل هذه.

لتجنب تكرار الكارثة، تبني أوروبا "جدران حماية" طارئة:

من جهة، تحول أموالاً إلى تركيا ودول أخرى لتعزيز مراقبة الحدود، ومن جهة أخرى، تدفع لتطبيق معاهدة هجرة ولجوء جديدة، وتشدد فحوصات الحدود، وحتى تخطط لإنشاء مراكز إعادة إيداع خارج الحدود، والهدف الأساسي واحد فقط — سد الطريق مسبقاً أمام موجة لاجئين قد تأتي.

الضعف في الأمن الطاقي يضيف ضغطاً واقعياً آخر على خوف أوروبا.

بعد الصراع الروسي الأوكراني، قطعت أوروبا إمدادات الطاقة الروسية بنفسها، وأصبحت تعتمد بشدة على نفط وغاز الشرق الأوسط. ومضيق هرمز، باعتباره حنجرة الطاقة العالمية، يحمل 20% من تجارة النفط العالمية و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسيل، ومعظم واردات الطاقة الأوروبية تمر من هنا.

الآن إيران تهدد بإغلاق المضيق، وهذا يعني قطع مباشر لشرايين الطاقة الأوروبية.

في 10 أيام فقط من اندلاع الصراع، ارتفع سعر الغاز الطبيعي الأوروبي 50%، وارتفع أسعار النفط 27%، ودفع دافعو الضرائب الأوروبيون بالفعل 3 مليارات يورو إضافية لتكاليف الوقود الأحفوري. ارتفع السعر العالمي للنفط في لحظة ما إلى 120 دولار للبرميل، وارتفعت أسعار استئجار الناقلات الضخمة إلى مستويات تاريخية، والضغط ينتقل مباشرة إلى المعيشة والشركات.

حذرت فكر تانك بريطانية بأن نفقات الطاقة السنوية للأسرة العادية قد تزيد بمقدار 500 جنيه إسترليني، والعائلات ذات الدخل المنخفض ستواجه خياراً بين "التدفئة أو تناول الطعام"؛ الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والصلب قد تقع في حالة "الإنتاج يعني الخسارة".

ألمانيا حتى قدرت أنه إذا استمر سعر النفط على 150 دولار للبرميل على المدى الطويل، فإن الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي ستتجاوز 80 مليار يورو، وأي دولة أوروبية لا تستطيع تحمل هذا الثمن الاقتصادي.

ما يثير قلق أوروبا أكثر هو مخاطر انتشار الصراع المتسلسلة.

إذا شنت إسرائيل هجوماً براً واسع النطاق على لبنان، فإن ذلك لن يسبب كارثة إنسانية خطيرة فحسب، بل قد يطيل أمد الصراع ويوسع نطاقه، وحتى قد يجر إيران وقوى إقليمية أخرى إلى داخله.

بمجرد فقدان السيطرة على الأوضاع، قد تستغل الحركات المتطرفة الفرصة، والمخاطر الأمنية الكامنة في موجات اللاجئين ستهدد الاستقرار الداخلي الأوروبي؛ والاضطرابات الإقليمية التي تسبب انقطاع التجارة واضطراب سلاسل التوريد ستضرب الانتعاش الاقتصادي الأوروبي الضعيف بالفعل بشكل مباشر. أشارت مختبرات الفكر الأوروبية منذ الآن إلى أن السوق لا تقلق حقاً من نقص الطاقة قصير الأجل، بل من التأثير طويل الأجل على سلاسل التوريد، وهذا الغموض يجعل الاقتصاد الأوروبي في حال أسوأ.

تماماً في هذا الذعر الجماعي، اختفت الخلافات الداخلية الأوروبية مؤقتاً أمام المصالح المشتركة.

الدول التي تتشبث عادة بمصالحها الخاصة في الطاقة والتجارة، يستيقظون الآن على الحقيقة: ما إن تتسع نيران الشرق الأوسط، لا أحد يستطيع البقاء آمناً بمعزل عن باقي العالم.

تطالب المجر برفع العقوبات على الطاقة الروسية، رئيسة الوزراء البلجيكية تقترح التفاوض مع روسيا لاستئناف إمدادات الغاز، كل هذه المواقف تعكس قلقاً عميقاً من أزمة الطاقة.

والبيان المشترك للدول الخمس يستشهد مراراً بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، ويدعو للتفاوض السياسي، فجوهريا يريدون استخدام الضغط متعدد الأطراف لتخفيف التوتر، ومنع الصراع من التصعيد الإضافي.

هذا الاتحاد لا علاقة له بتطابق القيم، بل هو خيار حتمي يفرضه ضرورة الحماية الذاتية.

بالنسبة لأوروبا، شرق أوسط مستقر هو الضمان الأساسي للأمن والمصالح الاقتصادية.

هذا التصريح الجماعي الأوروبي في جوهره محاولة تجنب طارئة للأخطار.

ما يخافونه ليس نيران حرب بعيدة، بل تأثيرات واقعية حقيقية تجلبها من موجات لاجئين وارتفاع أسعار الطاقة وتراجع اقتصادي وسلسلة أخرى من المشاكل.

هذا الخوف غير موقف أوروبا الدبلوماسي المعتاد، وجعل دول ذات خلافات عميقة تصل إلى إجماع نادر، وهذا الإجماع بدوره سيؤثر بشكل عميق على مسار تطور الوضع في الشرق الأوسط.

التحولات في الشرق الأوسط أبداً لا تقتصر على المنافسة الداخلية الإقليمية، بل تتضمن موازنات وتدخلات القوى الكبرى الخارجية بناءً على مصالحهم الخاصة.

وخوف أوروبا وإجراءاتها هي أحد أهم المتغيرات في هذا التحول الكبير. #创作者冲榜
شاهد النسخة الأصلية
post-image
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
إضافة تعليق
إضافة تعليق
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$2.41Kعدد الحائزين:2
    0.21%
  • القيمة السوقية:$2.4Kعدد الحائزين:2
    0.07%
  • القيمة السوقية:$2.36Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.36Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:1
    0.00%
  • تثبيت